إن التاريخ البشري هو تاريخ ثقافة وإنه لمن المستحيل
أن نفكر في أي شكل آخر من تطور البشرية إلا عبر هذا التاريخ فالثقافة هي ذلك الكل
المعقد الذي يتضمن المعرفة والإعتقاد والحقوق والأخلاق والعادات وكل القدرات التي
أكتسبها الانسان كفرد في المجتمع.
ما يميز مجتمعاً عن آخرهو بنيتهِ الثقافية و فهم الرموز
الشائعة فيه كاللغةِ ونمط الملابس وطريقة التحية هو الطريق لفهم طريقة التفكير
السائدة فيه ما قد يكون بداية لأي حلول للمشاكل الإقتصادية و السياسية.
إن كل فعل مدان أجتماعيا عبارة عن خطأ يرتكبه العقل،
فالجريمة أخت التحيز والتعصب، والفضيلة أخت الحقيقة، وحرية التفكير والمناقشة
وبذلك فإن التسامح هو الطريق الى الحقيقة.
ان الرؤية المتسامحة هي الرؤية المتفهمة
والمتحررة فكرياً حيال الممارسات المغايرة أو المضادة لآراء الشخص المتسامح وممارساته.
فلا تسامح بدون إختلاف، فالتسامح ثمرة مران طويل على قبول حراك الصورة والفكرة
والمفهوم. وقبول إعادة النظر الدائم في كل ظاهرة وعدم الإرتماء في منطقة المطلق،
وقبول الذات بتغيراتها، والآخر بسياقاته الثقافية، و التسامح ليس منة أو هبة يتفضل
بها أحد على غيره، إنه حق تنتزعه المجتمعات حينما تنخرط بفعالية الإختلاف متعدد
المستويات والمعاني.
وقد اكدت الأديان السماوية وفي مقدمتها
الإسلام على سلوك التسامح، اذ يأخذ الدين الإسلامي دوراً متقدماً في هذه الدعوة.
فمن يقرأ القرآن ويتدبر آياته يجد فيها الكثير مما يدل
على هذه الدعوة فقد كان ذلك المجتمع قبل الإسلام يميز بين إنسان وآخر سواء على
أساس الجنس أو اللغة أو اللون أو المال أو القوة. وقد أبطل الإسلام هذا التمييز
بين إنسان وآخر فإنتقل المجتمع من حالة التنافس والصراع الى حالة التسامح والتعاون.
وأصبح مقياس التفاضل ينحصر في أمور معنوية هي التقوى
والفضيلة، والقرآن مصدر العقيدة الأول، يحث الناس على الإجتماع والتعارف، وصرح بأن
الناس متساوون جميعاً في أصل الخلقة، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))
(الحجرات : 13) فقضى بذلك على عبودية البشر للبشر، وإعتبرهم جميعاً مخلوقات لله
تعالى فأوجد شعوراً بالمساواة بين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وأصبح مقياس
الكرامة والفضل والتقوى والعمل الصالح.
ذلك أن الإعتقاد بمساواة البشر شرط لابد منه
لقيام العدل الذي جعله القرآن الكريم غاية النبوات، قال تعالى ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)) (الحديد 25).
من المعروف أن السبيل الأكثر مرغوبية وجدوى هوالحوار وهو
الوحيد القادر على خلق مشروع في المستقبل ، إبتغاء أن يصنع الجميع مستقبل الجميع .
فالحوار الحقيقي لا جدوى له إذا لم نتعامل مع الانسان الآخر على انه جزء من ذواتنا،
يبني كياننا ويكشف لنا عما يعوزنا ـ
الحوار يبدأ عندما نعرف من نحن و من هو الآخر
، أما ما يبرر الحوار فهي أواصر الثقافة و القرابة بين البشر ذلك أن هناك نزوعاً
فطرياً لدى البشر للتفاعل و الحوار يعيد العلاقات البشرية الى إنسانيتها، أي انه
حوار بين الإنسان والإنسان بوصفه كائناً حضاريا وليس كائناً غريزيا.
ان للتسامح الإجتماعي له أهمية كبيرة في حياة
الفرد والمجتمع ، فإذا ما ساد التسامح والمودة والتعاون بين أفراد المجتمع الواحد
من دون تمييز ولا تفضيل فسيكون الإستقرار النفسي والإجتماعي هو السمة المميزة، مما
ينعكس في نهاية الأمر على الصحة النفسية لأبناء المجتمع ويتيح فرصاً أكبر للتقدم
والإزدهار.
إن السعي إلى ترسيخ المساواة بين جميع
الأفراد في المعاملة حتى مع من يختلفون معنا في الرأي والأفكار ومحاولة فهم هؤلاء
المختلفين معنا والتعاطف معهم سيعطي نتائج إيجابية غير ذالك سيقود كبار الوجهاء و
الساسة هذا المجتمع الى حاله من التوجس والتنافروقد يصل الى غياب التسامح و
بروزالصدام والصراع و هو ما لا يتمناه عاقل.
مدونة بلدية أنصفني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق